Marzavan Arafat

حين نفتح صفحات الذاكرة في مدينة تربسپي، نجد في كل صفحة اسمًا ترك أثرًا، وفي كل حكاية وجهًا من وجوه المدينة التي عرفناها وعرفتنا. ومن بين تلك الوجوه، يطل علينا اليوم اسم حجي عڤدي بركات، الرجل الذي عاش سنوات طويلة في هذه المدينة، وعرفه أهلها في السوق، وفي المناسبات الاجتماعية، كما عرفوه إنسانًا بسيطًا في مظهره، حاضرًا في تفاصيل الحياة اليومية للناس.

غادرنا حجي عڤدي إلى ديار الآخرة عام 2023، لكن بعض الأشخاص لا تنتهي حكاياتهم برحيلهم، لأنهم يتركون وراءهم سيرة يتناقلها من عرفهم، وذكريات تبقى مرتبطة بأمكنة وأزمنة وأناس.

ولد عبدي محمد أحمد بركات في قرية تل شعير عام 1943، تلك القرية المعروفة بثقافتها واهتمامها بالتعليم، والتي كانت من أوائل القرى التي بنيت فيها المدارس النموذجية. وكان ينتمي إلى عشيرة حجي سليمانا المعروفة.

لم يمكث طويلًا في قريته الأولى، فقد انتقل مع والده إلى قرية گري پري، وعاش فيها حتى عام 1975، قبل أن ينتقل إلى تربسپي، وهي القرية التي أصبحت لاحقًا جزءًا أساسيًا من سيرته، ومنها بدأ رحلته مع التعليم والحياة والعمل، وفي ترابها دُفن بعد عقود طويلة.

في گري پري دخل المدرسة، وهناك بدأت ملامح الطموح تظهر في شخصيته. أكمل دراسته الابتدائية وحصل على الشهادة عام 1956، ثم واصل تعليمه، وكان يحمل طموحًا كبيرًا في إكمال دراسته الجامعية. راسل المدرسة الدولية للعلوم والتجارة في بيروت، وقُبل فيها، لكنه لم يتمكن من متابعة الدراسة لأسباب مادية.

وكان يذكر دائمًا أن الفضل في مواصلة تعليمه يعود إلى المرحوم سليمان حاجو آغا، الذي أشرف على تعليمه وتكفّل بمصاريفه الدراسية حتى أنهى المراحل الأولى من تعليمه وحصل على شهادة السرتفيكا. وكانت هذه المحطة مهمة في حياته، ليس فقط لأنها مثّلت خطوة أساسية في مسيرته التعليمية، بل لأنها تكشف أيضًا عن وفائه وتقديره لمن مدّ له يد العون في بدايات الطريق. كما توضح أن وراء كثير من قصص النجاح، في أحيان كثيرة، شخصًا آمن بقدرات صاحبها، ومدّ له يد المساعدة، ومكّنه من مواصلة الطريق والوصول إلى ما كان يطمح إليه.

حصل لاحقًا على شهادة التدريس من وزارة التربية والتعليم، وعمل مدرسًا لفترة قصيرة، قبل أن يفصل من عمله لأسباب سياسية. كما عمل لفترة قصيرة حارسًا على مزارع الدولة، ثم انتقل إلى تعهدات تمديد شبكات وأعمدة الاتصالات والكهرباء في المنطقة.

ومنذ بدايات تأسيس الحركة الكردية في سوريا، بدأ حجي عڤدي نشاطه السياسي في صفوف الشباب غير المنظمين، ثم انخرط لاحقًا في التنظيم الحزبي، وعمل مع رفاقه في سبيل القضية الكردية. تعرض للملاحقة من قبل المخابرات لسنوات بعد اعتقال أحد رفاقه، وكانت بحوزته قائمة بأسماء عدد من أعضاء التنظيم، كما تعرض أفراد عائلته للمضايقات والتهديد بالاعتقال للضغط عليه. واستمر في نشاطه ومهامه الحزبية فترة من الزمن، إلى أن بدأت الانقسامات داخل التنظيمات، فابتعد عن العمل الحزبي، لكنه بقي إنسانًا وطنيًا مخلصاً .

مع مرور الوقت، اتجه حجي عڤدي إلى التجارة المتنقلة بين القرى، وخصوصًا في موسم الحصاد. كان يتاجر بالحبوب والبقوليات بمختلف أنواعها، متنقلًا بين القرى، يعرف مواسمها وأهلها وحاجاتهم.

وبدأت التجربة تكبر شيئًا فشيئًا، في البداية استأجر دكانًا صغيرًا، ثم أخذ يوسّع تجارته، إلى أن استطاع شراء دكان في مركز المدينة. وهنا انتقل من التجارة الموسمية إلى تجارة أكثر استقرارًا، تشمل البيع والشراء على مدار العام.

ومع انتقاله إلى تربسپي عام 1975، ثم استقراره فيها بشكل كامل في نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات، أصبحت المدينة مسرحًا رئيسيًا لحياته التجارية والاجتماعية.

كان حجي عڤدي قصير القامة، ضعيف البنية، وربما لا يوحي مظهره للوهلة الأولى بما كان يختبئ خلفه من ذكاء وفطنة في عالم التجارة، لكن من عرفه في السوق كان يعرف أن هذا الرجل الصغير في بنيته كان كبيرًا في عقله التجاري. كان صاحب آفاق واسعة، يعرف كيف يتعامل مع الناس، ويملك قدرة على كسب الزبون والمحافظة عليه. كانت معاملته حسنة، وابتسامته حاضرة، وكان البيع والشراء عنده لا يقومان دائمًا على المال النقدي وحده. فقد كان يبيع بالدين لمن لا يستطيع الدفع نقدًا، اعتمادًا على معرفته بالناس وثقته بهم. وكان يعرف كيف يجعل الزبون يشتري، حتى إن لم يكن بحاجة ماسة إلى ما يبيعه.

إلى جانب التجارة والعمل، كان في شخصية حجي عڤدي جانب آخر ربما لم يكن ظاهرًا للجميع. فقد تعلم حب الوطن منذ الصغر، وعاش هذا الشعور في حياته ومواقفه، وكأن الوطنية كانت جزءًا من تكوينه، أو كما كان يمكن أن يقال عنه: كأنه رضعها مع حليب أمه.

وكان يعمل في الخفاء، بعيدًا عن الأضواء، حتى أصبح مسؤولًا عن توزيع المنشورات في منطقة الجراح. ولم يكن هذا الجانب من حياته منفصلًا عن شخصيته؛ فقد كان الرجل الذي يعرف كيف يتحرك بين الناس، ويكسب ثقتهم، ويعمل بصمت، بعيدًا عن الاستعراض.

ولم يتوقف اهتمامه بالشأن العام عند حدود العمل السياسي؛ فقد كان من أوائل الداعمين لفكرة تأسيس جمعيات في المهجر تهتم بخدمة مجتمعاتها وأبناء جلدتها في الوطن، ومن ضمنها جمعية بركات الخيرية، في امتداد طبيعي لاهتمامه بالناس والمجتمع وخدمتهم.

تزوج حجي عڤدي مرتين. وفي زواجه الأول، توفيت زوجته بعد ولادة ابنتهما، وهي محطة قاسية لا شك أنها تركت أثرها في حياته، ليواصل بعد ذلك مشوار حياته ويتحمل مسؤولياته العائلية إلى جانب مسؤولياته في العمل والمجتمع.

كان حجي عڤدي من رواد مقهى (يوسف كفي)القريب من دكانه. وفي فصل الشتاء، عندما تخف حركة التجارة الموسمية، كان يجد طريقه إلى المقهى، حيث يجلس مع معارفه ومن جيله ويلعب الشدة.

أما ليالي الشتاء الطويلة، فكان لها طقسها الخاص، إذ كان يقضي جزءًا منها في لعبته المسلية والمفضلة: Gustîlk أو Hingulîsk.

اجتماعيًا، كان حجي عڤدي من وجهاء المدينة، وبرز حضوره خصوصًا في حالات الصلح الاجتماعي وحل الخلافات، سواء داخل المدينة أو في القرى المجاورة. لم يكن هذا الدور سهلًا، فالصلح بين الناس يحتاج إلى أكثر من الكلام؛ يحتاج إلى خبرة، وإلى معرفة بطبيعة البشر، وإلى قدرة على الاستماع، وإلى التعامل مع مختلف الطبقات والشخصيات. ومن الواضح أن سنوات التجارة والاحتكاك اليومي بالناس، إلى جانب شخصيته الاجتماعية، جعلته قادرًا على أداء هذا الدور.

بقي حجي عڤدي على رأس عمله ما استطاع. لم يكن من أولئك الذين يستسلمون بسهولة للراحة أو يبتعدون عن العمل لمجرد تقدم العمر، بل ظل قريبًا من متجره ومن الناس ومن عالمه الذي بناه طوال سنوات حياته. لكن السنوات الأخيرة حملت معها امتحانًا آخر؛ إذ تمكن المرض منه تدريجيًا، وأخذ من جسده ما لم تستطع سنوات العمل والتعب أن تأخذه.

وفي عام 2023، رحل حجي عڤدي بركات عن هذه الدنيا، حيث دُفن في قرية گري پري، القرية التي كبر فيها، والتي شهدت جزءًا مهمًا من بداياته وحياته، ليعود إليها في النهاية، وكأن دائرة الحياة اكتملت هناك.

كان حجي عڤدي رجلًا متعدد التجارب: تلميذًا طموحًا، ومعلماً، وحارسًا للمزروعات، وعاملًا في مشاريع الاتصالات والكهرباء، وتاجرًا، ووجيهًا اجتماعيًا، ورجلًا وطنيًا يعمل بصمت، وإنسانًا آمن بخدمة مجتمعه، سواء في مدينته أو من خلال دعم المبادرات والجمعيات التي تخدم أبناءه في الوطن.

وربما أجمل ما يمكن أن يقال عنه إن جسده الصغير لم يكن مقياسًا لحضوره؛ فقد كان قصير القامة، ضعيف البنية، لكن عقله كان واسعًا، وقلبه قريبًا من الناس، وحضوره أكبر من حجمه.

رحل الرجل، وبقيت الحكاية وعاد في النهاية إلى گري پري، القرية التي كبر فيها، واحتضن ترابها جسده بعد أن احتضنت ذاكرته أجمل سنوات عمره.

رحم الله حجي عڤدي بركات، وأسكنه فسيح جناته، وجعل ما تركه من أثر طيب في الناس شاهدًا له لا عليه.