Beshir Shekhee
حين يُذكر صلاح الدين الأيوبي اليوم، يُقدَّم غالبًا بصورة قائد مسلم غيور على الاسلام والامة العربية!، خرج من كتب الوعظ والأساطير الرسمية، بينما الحقيقة التاريخية أكثر تعقيدًا وأعمق بكثير.
فصلاح الدين كان امبراطورا كُرديًا حروبه كانت لاستعادة الارض والسيطرة والنفوذ، كان ابن بيئة كُردية، خرج من ثقافة جبلية محاربة،
الكثيرون لا يعلمون أن البيت الأيوبي كلهم كانوا يحملون اسماء كُردية الأصل. يكفي أن تنظر إلى أسماء أسرته لتفهم ذلك: شيركوه، شادي، مروان، توران شاه، فروخ شاه، بهرام، لاجين، شاهناز، بهار … أسماء تنتمي إلى الفضاء الكُردي، لا إلى البيئة العربية البدوية.
– اقرأها بصوت عالٍ: شيركوه، مروان (Mervan الأصل)، توران شاه… هذه ليست قائمة ملوك، هذه خريطة جبل –
لكن المفارقة تبدأ حين يصل الحديث إلى اسم “أسپ سالار”، الاسم الكُردي الحقيقي الذي كان يُعرف به، قبل ان يلقب من قبل العرب بصلاح الدين!! فجأة وبعدما يصبح سلطانا، يتحول الاسم الكُردي إلى “منصب”، لا اسم. وكأن المشكلة ليست في معنى الاسم، بل في لغته نفسها. مع أن الثقافة الكُردية مليئة بالأسماء المركبة ذات المعاني القيادية والرمزية: ريبر، سردار، دلشير، شيرزاد، نيجرفان… أسماء تحمل معنى ووظيفة وصورة، لكنها تبقى أسماء أعلام كاملة، لا ألقابًا عابرة.
– السحر هنا: حين يكون الاسم كُرديًا، يصبح “وظيفة”. وحين يكون عربيًا، يصبح “تاريخًا”!
إنها الفوبيا اللغوية الأزلية؛ يجب ممارسة عملية “تطهير عرقية” للاسم أولاً، وغسله بماء الوعظ، لكي يتقبله العقل الجمعي الذي يصاب بالارتكاريا بمجرد سماع اسم كردي!
حين قال ابن الأثير إن صلاح الدين “من أشراف الكُرد”، لم يكن يقصد مجاملة عابرة، بل كان يصف انتماءه إلى طبقة كُردية أرستقراطية عسكرية، خرجت من البيئة نفسها التي أنجبت الممالك الكُردية الكبرى في تلك المرحلة. ولهذا لم يبنِ صلاح الدين جيشه على العصبية وعقلية الخيم العربية، بل على الأمراء الكُرد والمماليك والقادة العسكريين الذين وثق بولائهم وكفاءتهم.
– ابن الأثير نفسه كُردي. حتى الشهادة جاءت من الداخل، ومع ذلك جعلوها هامشًا –
الأرستقراطية الجبلية لا تفهم لغة الرمال المتحركة. القلاع تُبنى بالصخر الصلد والولاء العسكري الصارم، بينما عقلية الخيمة تكتفي بالقصائد الحماسية ولبت لبت، والفرار عند أول بادرة غبار.
والصورة التي يحاول البعض رسمها له بوصفه “سلطانًا دينيًا” تتصدع أكثر حين نعرف أن طبيبه الخاص كان يهوديًا، وأن الدولة الأيوبية ضمّت أطباء وعلماء من اليهود والمسيحيين، في وقت كانت أوروبا تغرق في التعصب الديني. أشهرهم موسى بن ميمون الذي عاش في مصر الأيوبية وحظي بمكانة علمية كبيرة وكان الطبيب الخاص لصلاح الدين.
– تخيل: “سلطان الإسلام” يضع حياته بين يدي يهودي، بينما أوروبا تحرق اليهود. من المتعصب الآن؟ –
كما أن صلاح الدين لم يكن ذلك السلطان المنعزل في الزهد والعبادة كما تصوّره المسلسلات الحديثة. لم يُعرف عنه أنه ذهب للحج بعد توليه السلطنة، رغم سيطرته على الحجاز، لأن حياته كانت حياة رجل دولة وحرب وإدارة إمبراطورية مترامية الأطراف. لقد حكم مصر والشام والحجاز واليمن وأجزاء واسعة من العراق والأناضول، وسيطر على شعوب متعددة وثقافات مختلفة، ولهذا كان أقرب إلى مفهوم “الإمبراطور” منه إلى مجرد سلطان محلي.
– الإمبراطور لا وقت لديه للحج، لديه إمبراطورية ليبنيها. الزهد اتركوه لمسلسلات رمضان –
بينما كان يخطط لحركة الجيوش ويرسم حدود القارات بعقل إمبراطوري كردي، كان هناك من يجلس في الظل، يسبّح بحمده، وينتظر انتهاء المعركة ليقول: “هذا النصر تحقق بفضل دعاء الصالحين وعروبة الراية!”، متناسين أن الإمبراطوريات تُبنى بالحديد والدم، لا بالدعاء.
لكن أكثر ما يميّز صلاح الدين لم يكن اتساع دولته فقط بل عاصمة دولته و رايته. العاصمة كانت المدينة الكُردبة هسن كيفا و رايته لم تكن الراية السوداء، بل راية كُردية بلون اصفر يتوسطها نسر كُردستان باللون الاحمر، وهناك شيء لا احد يذكره وهي انه عزل العرب بشكل كامل عن المناصب، كل الامارات والولايات والقلاع والحصون كانت تحكمها ملوك وامراء كُرد وقيادات عسكرية كُردية. بل لا يذكر ان كان في جيشه عربيا اصلا. العرب كانوا مجرد بدو لا يمكلون من القيادة شيء، سوى قيادة الإبل والبعير.
الراية الصفراء يتوسطها نسر كُردي قدمت من قمم الجبال الكردية، الحكام والأمراء في القلاع والحصون يتحدثون الكُردية، الأوامر العسكرية تُصدر بلغة الجبل..
والعربي يقف بعيداً يداعب ناقته، ثم يأتي حفيد هذا العربي اليوم بكل شعور بالدونية ويقول لك: “صلاح الدين بطلنا القومي العربي”! إنها أضخم عملية سطو مسلح على البرندات التاريخية في التاريخ البشري!
ايضا هناك يبرز معدنه الاخلاقي الصلب، الاخلاق الكُردية وليست الهمجية وهي طريقة تعامله مع الخصوم. ففي زمن كانت فيه المدن تُذبح بعد سقوطها، والنساء يُسبين، والأسرى يُقتلون بالجملة، ظهر صلاح الدين باخلاق كُردية وبصورة مختلفة حتى في أعين أعدائه. بعد استعادة القدس لم يكرر المذبحة التي ارتكبها الافرنجة عند احتلال المدينة، بل سمح بالعفو والخروج الآمن لكثير من السكان. ولهذا لم يكرهه الأوروبيون، بل تحوّل في أدبهم إلى رمز للفارس النبيل.
