م. عبدالباقي علي

المشكلة الكردية في سوريا اليوم ليست فقط في تعقيد الواقع السياسي، ولا في كثرة الأطراف المتدخلة، ولا في صعوبة التوازنات الإقليمية والدولية. جزء أساسي من المشكلة يكمن أيضًا في أن كثيرًا من الفاعلين الكرد ما زالوا يفكرون بعقلية المراحل السابقة، ويقفون في الخنادق نفسها، ويكررون الخطابات نفسها، بينما الواقع من حولهم يتغير بسرعة.

وهنا أرى أن السيد مظلوم عبدي يقف أمام امتحان سياسي حقيقي.

هل يريد أن يبقى ابن تجربة أيديولوجية وتنظيمية محددة، أم يريد أن ينتقل إلى موقع أوسع، وأن يتصرف كرجل سياسة ودولة قادر على تمثيل المصالح الكردية في سوريا بمختلف اتجاهاتها؟

يا سيد مظلوم، لا أحد يطلب منك أن تنكر تاريخك، ولا المدرسة التي نشأت فيها، ولا البيئة الفكرية والسياسية التي شكلت جزءًا مهمًا من شخصيتك.

نعم، أنت نشأت سياسيًا في فضاء حزب العمال الكردستاني، وتأثرت بأفكاره وتجربته وثقافته التنظيمية، وهذا أمر معروف ولا معنى لإنكاره.

لكن المطلوب اليوم ليس إنكار الماضي، بل التحرر من سلطته حين يتحول إلى قيد على الحاضر.

لا أطلب منك أن تتبرأ من المدرسة التي نشأت فيها، بل ألا تجعلها السقف الذي لا تستطيع تجاوزه.

فالسياسي الذي ينتقل من موقع حزبي أو أيديولوجي إلى موقع يتصل بمصير مجتمع كامل، عليه أن يوسع رؤيته وأدواته وعلاقاته، وأن يدرك أن ما يصلح لتنظيم أو لحزب لا يصلح بالضرورة لإدارة مصالح شعب متعدد الاتجاهات والانتماءات.

وهنا يكمن الفرق بين القائد التنظيمي ورجل الدولة.

رجل الدولة لا يحيط نفسه فقط بمن يشبهونه فكريًا، ولا بمن يوافقونه في كل شيء، ولا بمن يكررون أمامه الأفكار التي يعرفها مسبقًا.

رجل الدولة يحتاج إلى من يعارضه، وينتقده، ويكشف له زوايا لا يراها، ويضع أمامه خيارات لا تنتمي إلى مدرسته السياسية الأصلية.

ولهذا أعتقد أنك بحاجة إلى مجلس أو هيئة استشارية كردية حقيقية، لا شكلية، تضم شخصيات سياسية وفكرية وأكاديمية واجتماعية مستقلة، ومن اتجاهات متعددة.

وأرى أن من المهم ألا تكون غالبية هؤلاء من رفاق التجربة السابقة، ولا من المؤيدين تلقائيًا لخط حزب العمال الكردستاني.

ليس لأن أفكارهم بلا قيمة، بل لأنك تعرف هذه الأفكار جيدًا، وعشت داخلها سنوات طويلة، ولا تحتاج إلى مزيد من الأصوات التي تعيد إنتاجها أمامك.

أنت بحاجة إلى أفكار أخرى.

إلى من يستطيع أن يقول لك: أنت مخطئ هنا.

وإلى من يطرح عليك سؤالًا لم يطرحه رفاقك.

وإلى من يدافع أمامك عن رؤية لا تنتمي إلى تجربتك السياسية السابقة.

فالقيادة التي لا تسمع إلا المصفقين تتحول تدريجيًا إلى غرفة مغلقة، والغرفة المغلقة مهما كان أصحابها مخلصين تنتج في النهاية رؤية ناقصة للواقع.

لكن من الظلم أيضًا أن نحمل مظلوم عبدي وحده كل المسؤولية.

فالطرف الآخر، من أحزاب وكتل وشخصيات كردية، مطالب هو أيضًا بمراجعة نفسه.

لا يكفي أن نقف خارج دائرة القرار ثم نكرر أن هذه القيادة أخطأت، أو احتكرت، أو همشت، أو ارتبطت بهذا الطرف أو ذاك.

وقد يكون جزء من هذه الانتقادات صحيحًا ومشروعًا، لكن السياسة لا تقف عند تشخيص الخطأ.

السؤال الأهم هو: ماذا بعد؟

ما البديل؟

وما الذي تستطيع القوى الكردية أن تقدمه للناس غير إعادة سرد خلافاتها القديمة؟

لقد تعب الشارع الكردي من سماع من كان على حق ومن كان على خطأ.

وتعب من لغة التخوين المتبادل، ومن المنافسة على احتكار الوطنية والقومية والشرعية.

الناس تريد أن تعرف: ما هو الممكن اليوم؟

ما الذي يمكن حمايته؟

ما هي المطالب التي يستطيع الكرد أن يتفقوا عليها رغم خلافاتهم؟

وأين يمكن تقديم تنازل، وأين يجب التمسك بالموقف؟

هذه هي السياسة.

أما أن يبقى كل طرف في موقعه، وأن ينتظر الآخر حتى يفشل أو ينهار، فهذه ليست سياسة، بل إدارة للخصومة.

والأخطر أن بعض القوى قد تتصور أن سقوط خصمها السياسي يعني انتصارها، بينما الحقيقة أن انهيار طرف كردي رئيسي في ظرف شديد التعقيد قد لا يترك خلفه منتصرًا كرديًا آخر، بل قد يترك فراغًا يدفع ثمنه المجتمع كله.

المطلوب اليوم ليس وحدة حزبية، فهذا قد يكون غير واقعي.

وليس المطلوب أن يحب الجميع بعضهم، ولا أن ينسوا خلافاتهم، ولا أن يتنازلوا عن رؤاهم السياسية.

المطلوب أبسط وأهم من ذلك: الاتفاق على حد أدنى قومي وسياسي واضح.

ما الذي يريده الكرد في سوريا؟

ما شكل الحقوق التي يطالبون بها؟

ما موقفهم من مستقبل الدولة السورية؟

ما الضمانات التي يريدونها لحقوقهم السياسية والثقافية والإدارية؟

وما هي النقاط التي يمكن أن يتحدثوا حولها بصوت أقرب إلى الوحدة؟

إذا استطاعت القوى الكردية أن تتفق على هذه المساحة المشتركة، فإن خلافاتها الأخرى تصبح قابلة للإدارة.

أما إذا فشلت حتى في تحديد الحد الأدنى من المصالح المشتركة، فلن يكون من المنطقي تحميل الخارج وحده مسؤولية ضعف الموقف الكردي.

يا سيد مظلوم، إذا أردت أن تتحول من قائد قوة عسكرية وسياسية إلى شخصية قادرة على لعب دور تاريخي أوسع، فعليك أن توسع الدائرة من حولك.

لا تجعل تاريخك السياسي سجنًا لك.

ولا تسمح للمقربين منك أن يقنعوك بأن كل نقد عداء، وأن كل مخالف خصم، وأن كل صوت مختلف جزء من مؤامرة.

الاختلاف ليس تهديدًا دائمًا.

وفي المقابل، على خصوم مظلوم عبدي أن يدركوا أن رفضه لمجرد رفضه ليس مشروعًا سياسيًا.

انتقاده حق، ومحاسبته سياسيًا حق، والاختلاف معه حق.

لكن إذا كانت هناك مساحة يمكن من خلالها حماية مصالح الناس، فإن رفض التعاون فقط بسبب تراكمات الماضي قد يتحول إلى خطأ لا يقل خطورة عن أخطاء الطرف الآخر.

المطلوب من الجميع أن ينتقلوا من سؤال:

من انتصر على من؟

إلى سؤال أكثر أهمية:

ماذا يمكن أن نحقق للكرد في سوريا في هذه المرحلة؟

نعم، الطريق صعب.

هناك دماء وذكريات مريرة، وانقسامات عمرها سنوات طويلة، وهناك انعدام ثقة وغضب حقيقي في الشارع، وهناك مصالح حزبية وشخصية وتنظيمية متشابكة.

لكن السياسة أصلًا تبدأ عندما يكون الاتفاق صعبًا.

لو كان الاتفاق سهلًا لما احتجنا إلى الشجاعة السياسية.

الشجاعة ليست أن ترفع سقف خطابك أكثر، بل أن تعرف متى تراجع نفسك.

وليست أن ترفض خصمك دائمًا، بل أن تعرف متى تجلس معه.

وليست أن تتمسك بكل مواقفك السابقة، بل أن تعرف أي موقف أصبح عبئًا على المستقبل.

على مظلوم عبدي أن يتجاوز أسر الأيديولوجيا.

وعلى خصومه أن يتجاوزوا أسر الخصومة والعناد.

وعلى الجميع أن يفهموا أن الشارع الكردي لم يعد مهتمًا كثيرًا بمن يربح السجال السياسي، بقدر اهتمامه بمن يستطيع أن يحمي مستقبله وحقوقه وكرامته.

فالمرحلة ليست مرحلة إثبات من كان أكثر صوابًا في الماضي.

إنها مرحلة اختبار القدرة على صناعة الممكن في الحاضر.

وإذا بقي كل طرف ينتظر انكسار الآخر، فقد يكتشف الجميع متأخرين أن الذي انكسر في النهاية لم يكن حزبًا ولا قائدًا، بل فرصة سياسية كاملة للشعب الكردي في سوريا.

الفرص السياسية لا تبقى مفتوحة إلى الأبد.

والتاريخ لا يرحم من أضاع الفرصة لأنه لم يستطع الخروج من خندقه القديم.