أحمد إسماعيل إسماعيل


يشهد التاريخ على الدوام ظهور أصحاب رأي خالفوا، بل ناقضوا أحيانًا، ما كان سائدًا ومسلمًا به من دين وفكر وسياسة وقناعات. ولم يكن ابن رشد استثناءً، ولا غاليليو، ولا جوردانو برونو، وقبلهم هيباتيا الإسكندرانية التي انتهت حياتها قتيلة بسبب الصراع الفكري والديني في عصرها.
وفي الموروث العربي تحضر أيضًا حكاية زرقاء اليمامة، التي رأت جيشًا يتقدم متخفيًا بأغصان الأشجار، فأنذرت قومها قائلة إن الأشجار تتحرك نحوهم، لكنهم لم يصدقوها حتى وقع ما حذرت منه.
شيء من هذا يتكرر، في رأيي، في الحالة الكردية اليوم مع الدكتور سربست نبي.
قد يكون أسلوب الرجل قاسيًا، مباشرًا، خاليًا من المجاملة والدبلوماسية، ولا يعرف كثيرًا من اللف والدوران في التعبير عما يراه حقيقة. وقد نختلف معه في رأي أو أكثر، وفي الأسلوب أو الاستنتاجات. لكن حجم التهجم عليه، وخصوصًا في الحالة الكردية الراهنة، يجعل الدفاع عن حقه في الكلام موقفًا يتجاوز الدفاع عن الرجل نفسه.
إنني لا أقف مع سربست نبي بسبب علاقة شخصية، ( فلا علاقة شخصية تربطني به منذ زمن بعيد) ولا أطالب أحدًا بتبني آرائه، وإنما أقف مع حقه وحق غيره في قول ما يعتقد أنه حقيقة، ومع حق الآخرين في الرد عليه بالفكر والحجة والنقد، لا بالتشهير والإقصاء ومحاولات إسكات الصوت المختلف.
لا تجعلوا من الدكتور سربست حالة استثنائية مرذولة بسبب آرائه، ولا تقتلوها بسهام الحقد الحزبي والشللية والانغلاق. لأن الخطر لا يقف عند حدود شخص واحد. حين يتحول الهجوم على صاحب الرأي المختلف إلى وسيلة ترهيب، فإن الرسالة تصل إلى عشرات المثقفين والكتّاب الآخرين: اصمتوا كي لا يكون مصيركم مثله.
وحينها سنكون قد صنعنا بأيدينا كارثة فكرية وقومية قد لا ينفع معها لاحقًا الندم، ولا الشكوى من صمت المثقف أو محاباته أو خوفه من قول الحقيقة.
أنا متضامن مع كل صوت ناقد، مهما كان قاسيًا، ما دام نقده موضوعيًا وقابلًا للنقاش والرد والتفنيد.
فالأفكار تواجه بالأفكار، والحجة بالحجة، والرأي بالرأي.
أما الشعوب التي تمارس القمع على أصواتها الحرة من داخلها، فإنها لا تسكت أفرادًا فحسب، بل تخسر جزءًا من قدرتها على رؤية أخطائها وتصحيح مسارها. والشعب الذي يخاف من النقد سيبقى أسير أخطائه، وقد يبقى مقهورًا إلى الأبد.