Marzavan Arafat
لكل شخصية أو عائلة عاشت في مدينة تربسپي حكاية خاصة بها؛ حكاية تبدأ أحياناً من مكان بعيد، من قرية أو مدينة أخرى أو من بلد آخر، ثم تحملها الظروف إلى تربسپي، فتتشابك حياتها مع حياة أهلها، وتصبح مع مرور الزمن جزءاً من نسيج المدينة وذاكرتها، حتى يصعب على من عرفها أن يتخيلها غريبة عن المكان.
ومن بين تلك الشخصيات التي ارتبط اسمها بالمدينة وبأهلها، وكانت على اتصال دائم بمختلف مكوناتها بحكم عمله وعلاقاته الاجتماعية، نفتح اليوم صفحة للتعرف عن قرب إلى ملا سعيد، المعروف باسم «ملايي گولي».
ينحدر ملا سعيد من عشيرة المحلمية، من قرية قبالا في تركيا، حيث كانت بدايات حياته. درس الشريعة والفقه في تركيا، وكان تعلّمه للعلوم الدينية في إطار معرفته الشخصية ودراسته للشريعة، ولم يمارس الإمامة في المساجد هناك. ومن خلال دراسته الدينية اكتسب لقب «الملا» الذي ظل ملازماً لاسمه طوال حياته.
وكان ملا سعيد يتقن اللغات التركية والعربية والكردية، وهو ما ساعده على التواصل مع شرائح مختلفة من المجتمع، وعلى بناء علاقات اجتماعية واسعة أينما عاش.
لكن حياته أخذت منعطفاً جديداً عام 1957، حين وقع خلاف طويل بينه وبين إحدى عائلات قريته، فقرر مغادرة قبالا مع أخويه محمد وعبد الرزاق. ترك الإخوة قريتهم وبدأوا رحلة جديدة، قادتهم أولاً إلى عامودا، ومنها إلى تربسپي/قبور البيض، حيث وجد الأخوان محمد وعبد الرزاق عملاً في البساتين الزراعية التابعة لعائلة حاجو آغا. أما ملا سعيد، فقد اختار أن يعمل في مهنة البناء، وهي المهنة التي كان يمارسها في منطقة ماردين. ومع انتقاله إلى تربسپي، ترك العمل الديني جانباً، واتجه إلى العمل الذي يستطيع من خلاله تأمين معيشته وبناء حياة جديدة له ولعائلته.
بنى ملا سعيد لنفسه بيتاً بالقرب من مضافة بيت حاجو آغا، وكان محباً للحياة الاجتماعية وقريباً من الناس. عُرف بحبه للنكتة والحكايات وسرد القصص، ولذلك لم يكن بيته مجرد مكان للسكن، بل كان أيضاً مكاناً يلتقي فيه الناس ويتبادلون الأحاديث والذكريات.
وربما كان هذا الجانب الاجتماعي من شخصيته أحد الأسباب التي جعلته سريع الاندماج في المجتمع المحيط به، حتى أصبح مع مرور الوقت واحداً من الوجوه المعروفة بين أهالي تربسپي.
حكاية «ملايي گولي»
أما لقب «ملايي گولي»، الذي اشتهر به لاحقاً، فتقف وراءه حكاية بقيت عالقة في ذاكرة الناس.
ففي عام 1962 تعرضت البلدة لفيضان كبير، وغمرت مياه السيول مناطق واسعة منها، وكان بيت ملا سعيد يقع في منطقة منخفضة. وكلمة «Gol» في الكردية تُستخدم للدلالة على البحيرة أو المكان الذي تتجمع فيه المياه. وحين غمرت مياه الفيضان منزله، أخذ الناس يربطون بينه وبين ذلك المكان الذي تجمعت فيه المياه، فأصبح يُعرف باسم «ملايي گولي». ومع مرور الوقت التصق اللقب به، وأصبح الاسم الذي يعرفه به معظم الناس في تربسپي.
مع مرور الأيام، استقر ملا سعيد أكثر في مهنة البناء، وبدأ يعمل في تعهدات البناء، وكانت بداياته في أرياف المنطقة. ومن الأعمال التي قام بها في بداياته بناء مخفر تل جهان، ثم اتجه شيئاً فشيئاً إلى بناء الأفران، قبل أن تتوسع أعماله مع ازدياد خبرته وتنوع مشاريعه. ومع مرور الوقت، بدأ أبناؤه يتعلمون منه المهنة، فاكتسبوا الخبرة التي نقلها إليهم والدهم، وتحولت مهنة البناء من عمل فردي إلى مهنة عائلية استمرت لسنوات.
ولعل أكثر ما يلفت في قصة ملا سعيد وأبنائه أن أحداً لم يعد ينظر إليهم، بعد سنوات طويلة من العيش في تربسپي، على أنهم عائلة قادمة من خارج المدينة. فقد أصبحوا شديدي الارتباط بمختلف مكونات المجتمع، حتى بدا أبناؤه وكأنهم من أبناء المدينة الأصليين.
شاركوا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والرياضية، وكانت لهم علاقات واسعة مع الناس، وأصبحوا جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية في تربسپي، شأنهم شأن كثير من العائلات التي صنعت المدينة بوجودها وعملها وعلاقاتها. أما ابنه الأكبر، فظل متنقلاً بين عامودا والحسكة، بينما واصل بقية الأبناء طريق والدهم في البناء، وأصبحوا من أصحاب الخبرة في هذا المجال. وساهموا بأيديهم في تنفيذ وتوسيع عدد من المشاريع الإنشائية والعمرانية في المنطقة.
وهكذا لم تقتصر مساهمتهم على تشييد الأبنية، بل أصبح حضورهم جزءاً من الحركة الاجتماعية والاقتصادية للمدينة، وبقي اسم عائلة ملا سعيد مرتبطاً بمهنة البناء التي تعلمها الأب ونقلها إلى أبنائه.
ومثل كثير من حكايات الهجرة والاستقرار، لم تستمر الأمور على حالها إلى الأبد. ففي السنوات الأخيرة لم يبقَ أحد من عائلة ملا سعيد في تربسپي؛ فمنهم من فارق الحياة، ومنهم من اختار طريقاً آخر وعاد إلى تركيا، ولكن بعيداً عن مسقط الرأس الأول للعائلة.
أما إخوة ملا سعيد، محمد وعبد الرزاق، فقد عاشوا بدورهم جزءاً من هذه الرحلة، قبل أن تنتهي حياتهم في المنطقة التي استقروا فيها. ودُفن الأخوان محمد وعبد الرزاق إلى جانب أخيهما ملا سعيد في قرية گرداهول، لتجتمع قبور الإخوة الثلاثة في مكان واحد بعد رحلة طويلة بدأت من قرية قبالا في تركيا.
توفي ملا سعيد «ملايي گولي» عام 1984، عن عمر يقارب الثمانين عاماً، ودُفن في مقبرة قرية گرداهول، القريبة من المكان الذي عاش فيه وقضى سنوات طويلة من حياته.
وهكذا انتهت رحلة رجل بدأت من قرية قبالا في تركيا، ومرت بعامودا، ثم استقرت في تربسپي، المدينة التي عاش فيها الجزء الأكبر من حياته، وعمل فيها، وبنى بيته، وربّى أبناءه، ونسج علاقاته مع أهلها.
وبعد سنوات طويلة، اجتمع ملا سعيد مع أخويه محمد وعبد الرزاق في المكان الأخير؛ ثلاثة إخوة بدأت رحلتهم معاً، وتفرقت بهم تفاصيل الحياة، ثم جمعتهم الأرض من جديد في قرية گرداهول.
رحم الله ملا سعيد وإخوته، ورحم الله كل من رحل من أفراد عائلتهم، ورحم الله أبناء تلك الأجيال التي حملت حكاياتها من مكان إلى آخر، وتركت آثارها في المدن والقرى التي عاشت فيها.
ملا سعيد لم يكن مجرد رجل جاء من قرية بعيدة واستقر في تربسپي؛ كان واحداً من أولئك الذين صنعتهم المدينة بقدر ما صنعوا جزءاً من تفاصيلها. وبين مهنة البناء، والدراسة الدينية، والمجالس، والنكتة، والحكايات، والعلاقات الاجتماعية، بقي اسمه حاضراً في ذاكرة من عرفوه.
وربما لهذا السبب بقي لقب «ملايي گولي» حياً في ذاكرة أهل تربسپي، لا بوصفه مجرد اسم، بل بوصفه جزءاً من حكاية رجل ارتبط اسمه بالمدينة وأهلها، وبقيت سيرته شاهدة على مرحلة من تاريخها الاجتماعي.
حقاً، كل شخصية من شخصيات تربسپي هي كتاب، وكل كتاب منها يحمل فصلاً من تاريخ هذه المدينة
