د.خيرالدين حسن

لنكن صريحين هذه المرة، من دون مجاملات حزبية ولا حسابات شخصية:

من المسؤول عن هذا الانقسام الكردي؟

هل الأحزاب التي عجزت عن بناء موقف كردي موحّد؟
هل القيادات والشخصيات التي جعلت الخلافات السياسية تتحول إلى صراعات شخصية؟
هل المثقفون الذين صمتوا عندما كان يجب أن يتكلموا، أو انخرط بعضهم في الاستقطاب بدل أن يكونوا صوتًا للعقل؟
أم القاعدة الشعبية التي أصبحت تدافع عن الأشخاص والأحزاب أكثر مما تدافع عن القضية نفسها؟

ربما الحقيقة التي لا نريد سماعها هي أن الجميع يتحمل جزءًا من المسؤولية.

لكن الأخطر من الخلاف السياسي هو ما يحدث الآن على وسائل التواصل الاجتماعي.

كردي يهاجم كرديًا، وكردي يشتم كرديًا، وكردي يخوّن كرديًا، وكأن أكبر معركة نخوضها اليوم هي إثبات أن الطرف الكردي الآخر هو “الخائن” أو “العميل” أو “الجاهل”.

من المستفيد من هذا الجنون؟

عندما يتحول الاختلاف السياسي إلى كراهية اجتماعية، وعندما يصبح اسم الحزب أهم من اسم القضية، وعندما يصبح الدفاع عن الزعيم أهم من الدفاع عن مستقبل شعب كامل، فهنا لم نعد أمام خلاف سياسي طبيعي، بل أمام نزيف داخلي خطير.

والسؤال الأهم:

أين هي القضية الكردية في سوريا وسط كل هذا؟

بينما تتغير التحالفات، وتتبدل موازين القوى، وتُناقش مستقبل سوريا والمنطقة، نجد جزءًا من طاقتنا يُهدر في معارك إلكترونية بين الكرد أنفسهم.

نحن نختلف حول الأحزاب، نختلف حول القيادات، نختلف حول المشاريع السياسية، وهذا طبيعي.

لكن هل يعقل أن يتحول هذا الاختلاف إلى قطيعة وعداء وتخوين؟

هل أصبح الكردي الذي يختلف معي سياسيًا خصمًا يجب إسقاطه؟

إذا كان جوابنا نعم، فهذه ليست مشكلة الأحزاب وحدها.

إنها مشكلة مجتمع كامل.

الأحزاب مطالبة بمراجعة أخطائها.
القيادات مطالبة بالتواضع أمام القضية.
المثقفون مطالبون باستعادة دورهم الحقيقي.
والشارع مطالب بأن يتوقف عن منح أي حزب أو شخصية شيكًا على بياض.

لا يوجد حزب يختصر الكرد، ولا يوجد قائد يختصر القضية، ولا توجد جهة واحدة تمتلك الحقيقة المطلقة.

القضية الكردية أكبر من الجميع.

ومن يريد أن يخدمها حقًا، عليه أن يتقبل النقد قبل المديح، وأن يقبل الاختلاف قبل التصفيق، وأن يضع المصلحة العامة فوق الولاء الحزبي.

لقد دفع الكرد في سوريا ثمنًا باهظًا من الدم والتهجير والقمع والحرمان.

فهل يعقل بعد كل ذلك أن نهدر ما تبقى من قوتنا في معارك بيننا على فيسبوك؟

لسنا بحاجة إلى أن نتفق في كل شيء.
نحن بحاجة فقط إلى أن نتعلم كيف نختلف من دون أن نكسر بعضنا.

فالخصومة السياسية يمكن أن تنتهي، أما كسر الثقة بين أبناء شعب واحد فقد يحتاج أجيالًا لإصلاحه.

ولهذا يجب أن نطرح السؤال الذي يهرب منه الجميع:

إذا استمر الانقسام بهذه الطريقة، فمن سيحمي القضية الكردية من أن تصبح مجرد ورقة في يد الآخرين؟

وإلى متى سنستمر في نزيف بعضنا؟

متى ننتقل من عقلية: “أنا مع حزبي” إلى عقلية: “أنا مع ما يخدم شعبي وقضيتي”؟

هذه ليست دعوة إلى توحيد الأحزاب تحت قيادة واحدة.

بل دعوة إلى شيء أهم:

أن نتعلم كيف نختلف ككرد، من دون أن نتحول إلى أعداء للكرد.