د. خيرالدين حسن

هناك ملاحظة تتكرر أمامنا كثيرًا في النقاش السوري، وأعتقد أنها تستحق أن نتوقفعندها قليلًا.

كلما تحدث الكرد عن حقوقهم القومية أو الثقافية أو اللغوية أو السياسية، يظهر منيقول: “وماذا عن التركمان؟ إذا كان للكرد هذه الحقوق، فنحن أيضًا تركمان ولناالحقوق نفسها.”

بصراحة، لا أرى مشكلة في أن يطالب التركمان بحقوقهم. من حق أي إنسان أن يحافظعلى لغته وثقافته وتاريخه وهويته، ومن حق أي مكوّن سوري أن يشارك في الحياةالسياسية والاجتماعية وأن يكون له تمثيل عادل.

لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المطالب إلى وسيلة لمقارنة وضع التركمانبوضع الكرد وكأن التجربتين متطابقتان، وكأن مجرد كون الطرفين قوميتين يعني أنالتاريخ والواقع الديموغرافي والجغرافي والسياسي واحد.

وهذا ببساطة غير صحيح.

الكرد في سوريا ليسوا مجرد مجموعة صغيرة ظهرت في السنوات الأخيرة وطالبتببعض الحقوق الثقافية. القضية الكردية موجودة منذ عقود، ولها خلفية تاريخيةوسياسية معروفة، من سياسات التعريب إلى إحصاء الحسكة عام 1962 وما ترتب عليهمن حرمان أعداد كبيرة من الكرد من الجنسية، إلى منع استخدام اللغة الكرديةوالتضييق على مظاهر الهوية الكردية في فترات مختلفة.

وفوق ذلك، الكرد هم أكبر أقلية قومية في سوريا، ولهم وجود تاريخي واضح في مناطقواسعة، وليسوا تجمعات متناثرة في عدد محدود من المدن.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين.

من حق التركماني أن يطالب بحقوقه، لكن ليس من حق أحد أن يقول إن وضع التركمانالتاريخي والديموغرافي والسياسي مطابق لوضع الكرد.

الحقوق شيء، والتطابق بين الحالات شيء آخر.

إذا أراد التركمان تعليم أطفالهم لغتهم، فهذا حقهم.

إذا أرادوا الحفاظ على تراثهم وثقافتهم، فهذا حقهم.

إذا أرادوا تمثيلًا سياسيًا عادلًا، فهذا حقهم.

إذا أرادوا ضمانات دستورية تحمي هويتهم، فمن حقهم طرح هذا الأمر ومناقشته.

لكن لماذا يجب أن تكون كل هذه المطالب ردًا على المطالب الكردية؟

لماذا عندما يقول الكرد “نريد حقوقنا” يأتي الرد فورًا: “ونحن أيضًا تركمان”؟

لماذا لا يقول التركماني ببساطة: “نحن تركمان سوريون، لنا لغتنا وثقافتنا وتاريخناونريد أن تحمي الدولة هذه الحقوق”؟

لا أعتقد أن التركمان بحاجة إلى مقارنة أنفسهم بالكرد لكي يثبتوا وجودهم.

التركمان لديهم هويتهم الخاصة، وتاريخهم الخاص، ويمكنهم الدفاع عنه من دونالدخول في منافسة مع الكرد.

وفي المقابل، الكرد أيضًا ليسوا بحاجة إلى إنكار وجود التركمان أو التقليل من حقوقهمحتى يدافعوا عن قضيتهم.

المشكلة تظهر عندما يتحول الأمر إلى قاعدة سياسية من نوع: “إذا حصل الكرد علىشيء، فيجب أن يحصل التركمان على الشيء نفسه.”

هذه ليست بالضرورة مساواة.

هناك فرق بين المساواة وبين التطابق.

المساواة تعني أن تكون حقوق المواطنين محفوظة، وألا يتعرض أحد للتمييز بسببقوميته أو لغته أو ثقافته.

أما التطابق فيعني أن نفترض أن كل المكونات لها الظروف نفسها والتاريخ نفسهوالحجم نفسه والانتشار الجغرافي نفسه، وهذا غير موجود في الواقع.

خذ مثلًا مسألة الحقوق السياسية.

من الطبيعي أن يكون لكل مكوّن تمثيل سياسي، لكن شكل هذا التمثيل وحجمه لا يمكنفصله عن عدد السكان والوجود الجغرافي والتاريخ السياسي لكل منطقة.

لا يمكن أن نتعامل مع سوريا وكأن كل قومية فيها لها العدد نفسه والانتشار نفسهوالظروف نفسها.

وهذا ليس انتقاصًا من أي قومية.

إنها مجرد حقيقة ديموغرافية وسياسية.

والأهم من ذلك كله أنني أعتقد أن هناك مشكلة أكبر عندما تستخدم بعض الخطاباتالتركمانية قضية التركمان ليس من أجل الدفاع عن حقوقهم، وإنما من أجل مواجهةالمطالب الكردية.

هنا يصبح السؤال مختلفًا.

هل نحن فعلًا أمام حركة تطالب بحقوق التركمان؟

أم أمام محاولة لاستخدام التركمان كحجة للقول للكرد: “لا تطالبوا كثيرًا، لأن هناكمكوّنًا آخر موجودًا أيضًا”؟

إذا كان الهدف هو حماية حقوق التركمان، فهذا أمر مفهوم ومحترم.

أما إذا أصبحت حقوق التركمان مجرد ورقة تستخدم في كل مرة يطرح فيها الكردقضية سياسية أو ثقافية، فهذه قصة أخرى.

ولا أعتقد أن هذا يخدم التركمان أنفسهم.

لأن التركماني الذي يريد حماية لغته وثقافته لا يحتاج إلى أن يقول إن الكرد لايستحقون حقوقهم.

والكردي الذي يريد الاعتراف بلغته وهويته لا يحتاج إلى أن يقول إن التركمان لايستحقون حقوقهم.

بالعكس، يمكن أن تكون المعادلة أبسط بكثير:

حقوق الكرد لا تكون على حساب التركمان، وحقوق التركمان لا تكون على حساب الكرد.

هذه هي المساواة الحقيقية.

ولا أعتقد أن من مصلحة سوريا أن تدخل مكوناتها في سباق من نوع: من يستحق أكثر؟ومن له عدد أكبر؟ ومن لديه تاريخ أقدم؟

سوريا بلد متعدد القوميات والأديان والثقافات، وهذه الحقيقة لا يمكن إلغاؤها.

لكن الاعتراف بالتعدد لا يعني أن نضع الجميع في قالب واحد.

الكرد لهم قضيتهم وتاريخهم وظروفهم.

التركمان لهم تاريخهم وظروفهم.

السريان والآشوريون لهم تاريخهم وظروفهم.

والعرب هم المكوّن الأكبر في البلاد ولهم أيضًا واقعهم الخاص.

لا توجد مشكلة في أن تكون الحقوق مختلفة في طبيعتها عندما تكون الظروف مختلفة،طالما أن المبدأ الأساسي هو عدم التمييز واحترام حقوق الإنسان والمواطن.

ولهذا، عندما أسمع اليوم من يقول: “لماذا يحق للكرد المطالبة بهذا ولا يحقللتركمان؟”، أعتقد أن السؤال يحتاج إلى إعادة صياغة.

السؤال الأفضل هو:

ما حقوق التركمان التي يريدونها؟ وما الأساس الذي يستندون إليه في المطالبة بها؟

وفي الوقت نفسه:

ما حقوق الكرد التي يطالبون بها؟ وما تاريخ هذه المطالب وأسبابها؟

بعد ذلك يمكن أن نناقش كل قضية بهدوء.

أما أن تصبح كل مطالبة كردية مناسبة لفتح موضوع التركمان، وكل حديث عن اللغةالكردية يقابله فورًا حديث عن اللغة التركمانية، وكل مطلب سياسي كردي يقابله مطلبتركماني مشابه، فهذا لا يبدو لي نقاشًا حقيقيًا حول الحقوق.

يبدو أقرب إلى محاولة لمعادلة قضيتين مختلفتين فقط لأنهما تنتميان إلى قوميتينغير عربيتين.

وأنا أرى أن هذا الطريق لن يقودنا إلى حل.

إذا كان التركمان يريدون حقوقهم، فليطالبوا بها بوضوح وصراحة.

وإذا كان الكرد يريدون حقوقهم، فليطالبوا بها أيضًا.

لا يحتاج أحد إلى إلغاء الآخر.

الاعتراف بحقوق الكرد لا يعني ظلم التركمان، والاعتراف بحقوق التركمان لا يعني إنكارالقضية الكردية.

هذه هي النقطة التي يجب أن نفهمها.

نحن لا نحتاج إلى سوريا يكون فيها مكوّن منتصر ومكوّن مهزوم.

نحتاج إلى سوريا يعرف فيها كل مكوّن أن هويته ولغته وثقافته وحقوقه مصانة، وفيالوقت نفسه يعرف أن الاعتراف بهويته لا يمنحه حق إنكار هوية الآخرين.

فالمشكلة ليست أن يكون في سوريا كرد وتركمان وعرب وسريان وغيرهم.

المشكلة عندما يتحول اختلافنا إلى وسيلة لإلغاء بعضنا البعض.