محمد حمو

في آخر موسمٍ للزيتون، جَمَع أحدُ أغوات عفرين محصوله في تنكاتٍ مدهونة بعناية، وحملها من المعصرة إلى سوق حلب. ما إن فاحت رائحة الزيت حتى التفّ حوله التجّار كالنحل، فزيت عفرين لا يُسأل عن جودته، يُشترى فورًا وبلا مساومة.
قبض الآغا الثمن بيدٍ واثقة، وكان الأولى أن يُدخله بنكًا أو يضعه تحت البلاطة، لكنه فضّل أن يختبر حظه في مقهى القمار عند “باب الفرح”. لعب حتى العشاء، وخسر… كل شيء. خرج بجيبٍ خاوٍ، وكرامةٍ تشبه قميصًا ممزقًا على أطرافه، لا يسد جوعًا ولا يستر عورة.
بحث عن مأوى، فخطر بباله رجلٌ من عفرين يقيم في حلب. قصده، واستُقبل كما يُستقبل السلطان في خيمة بدوي. احتفى به الرجل أيّما احتفاء، لكن بعد أن أغلق الباب، فتح همّه على نفسه:
“يا رب، ماذا أُقدّم لضيفي؟!”
لا مال، لا مؤونة، لا حتى بصل أخضر. بعد طول تفكير، فكّ ساعته الوحيدة، وباعها بثمنٍ بخس، اشترى به عشاءً ساخنًا وبعض الفاكهة، ووضعهما أمام الآغا وكأنّه يُقدّم صَحن كبرياءٍ مطبوخ على نار الواجب.
أكل الآغا وشرب، وسهر مع مضيفه حتى فرغت علبة السجائر، ثم نام قرير العين. أما الرجل، فباتَ ليله يقلبه التفكير: ماذا سيُقدّم للفطور؟ من أين يشتري السجائر؟
مع خيوط الفجر، خرج يطلب سلفة من الجيران، أو دينًا من الدكاكين، أو معجزة في الحيّ… فلم يجد إلا الأبواب المغلقة. عاد إلى البيت، جائعًا ومكسورًا، يبحث في أركان المنزل عن أيّ شيء يُباع… فلا شيء.
وفجأة، وقعت عيناه على جاكيت الآغا المعلّق… تلك القطعة الغالية من الجوخ الإنكليزي التي كانت تتدلّى من المشجب كأنها تقول: “أنا الأمل!”
قال في نفسه:
“جاكيت تُدفئ صدر الآغا، أم فطور يُدفئ بطنه؟!”
باع الجاكيت، واشترى بثمنها فطورًا فخمًا، وعلبتين من السجائر، واحدة له، وواحدة للآغا، وعاد إلى بيته مطمئنًا.
استيقظ الآغا، وجد المائدة عامرة: زعتر، لبنة، بيض مسلوق، خبز حارّ، وشاي يرقص بخاره فوق الكاسات. ابتسم، وبدأ يأكل. لكن، حين انتصف في رشف الشاي، التفت حوله وسأل:
“أين جاكيتي؟”
أجابه الرجل، وهو يسكب له كأسًا آخر:
“كُل، يا آغا… لا تفكّر، لا تخجل!”
عاد الآغا يسأل، بنبرة أكثر جدية:
“لكن، بالله عليك… أين جاكيتي؟”

تنحنح الرجل، وابتسم بأسى، وقال:
“كل يا آغا… أكلتُ الأكمام، وبدأتُ بالياقة!”
رفع الآغا حاجبيه:
“ماذا تقول؟!”
فردّ الرجل بهدوء:
“بعت جاكيتك، وجبتلك فطورها.”
صمتت اللقمة في فم الآغا، ثم قام فجأة وسقط جالسًا، مصعوقًا، وقال:
“بعت جاكيتي؟! أنا ضيفك، يا رجل! كيف تفعل ذلك؟!”
أجابه الرجل، وعيناه لامعتان:
“أخجل إذا خرج ضيفي من بيتي جائعًا.
أن تخرج دون جاكيت؟ نعم، قد يكون عيبًا.
لكن أن تخرج دون فطور؟ فهذه فضيحة لا تحصل ولو بعت داري!
نحن ناس بسطاء، ما نعرف قيمة الجوخ، لكن نعرف قيمة الضيف.”
مدّ له سيجارة، وصمت.
الآغا نظر إلى السيجارة، ثم إليه… لم يتكلم. أخذ السيجارة، أشعلها، وسحب نفسًا عميقًا.
لكن في داخله، كانت الريح تعوي.
فكّر بثمن موسمه الذي تبخّر في ليلة، وبالجاكيت الذي تحوّل إلى إفطار، وبناس لا يملكون قوت يومهم، ثم همس في سرّه:
“اللهم ارزقنا عقل هذا الفقير.”