Marzavan Arafat
القضايا الكبرى لا تموت بموت تنظيم، ولا تنتهي بزوال قوة، ولا تُختصر باسم قائد أو مرحلة سياسية. التنظيمات تتغير، والتحالفات تتبدل، وموازين القوة لا تبقى على حالها، لكن ما يتعلق بوجود شعب وذاكرته وهويته وحقوقه لا يمكن أن يختفي بتغيّر الأدوات. والقضية الكردية أكبر من أي حزب أو فصيل أو قوة عسكرية؛ إنها قضية شعب حمل لغته وثقافته وتاريخه وذاكرته عبر أجيال، ودفع ثمناً باهظاً كي يبقى كما هو، ويملك حقه الطبيعي في أن يعيش هويته دون خوف أو إنكار.
الحفاظ على الكردية لا يقتصر على حفظ الأغاني والذاكرة واللغة، بل يشمل الحفاظ على الحقوق القومية والسياسية واللغوية والثقافية للكرد، وعلى حقهم في التعبير عن ذاتهم والمشاركة في تقرير مستقبلهم السياسي ضمن إطارٍ عادلٍ وديمقراطي، وبوسائل سلمية ومشروعة. هذه الحقوق ليست منّة من أحد، ولا امتيازاً على حساب الآخرين، بل جزء من كرامة الإنسان ومن حق الشعوب في الحفاظ على هويتها والمشاركة في صناعة مستقبلها.
لا يريد الكرد وطناً يُبنى على إلغاء أحد، ولا مستقبلاً يكون فيه انتصار طرف على حساب كرامة طرف آخر. يريد الكرد وطناً يتسع للكرد والعرب والسريان والآشوريين والدروز والعلويين وسائر أبنائه، وطناً لا يخاف من تعدد هوياته، ولا يرى في اللغة الكردية تهديداً، ولا في الثقافة الكردية خطراً، ولا في الاعتراف بالحقوق الكردية انتقاصاً من حقوق الآخرين.
أن تكون كردياً ووطنياً ليس تناقضاً.
أن تحافظ على هويتك ليس خيانة.
وأن تطالب بحقوق شعبك ليس عداءً لوطنك.
فالإنسان الذي يُطلب منه أن يختار بين هويته ووطنه هو الذي وُضع أمام خيار ظالم؛ أما الوطن العادل، فهو الذي يسمح له أن يحمل الاثنين معاً، بكرامة ودون اعتذار.
