د.خيرالدين حسن

هناك أخبار تبدو في ظاهرها تعليمية، لكنها تفتح أبوابًا سياسية واجتماعية أكبر بكثير.

أن تبدأ وزارة التربية السورية بتأهيل معلمين من الحسكة لتدريس اللغة الكردية في حماة، يعني أن ملف الكرد في هذه المنطقة لم يعد قضية يمكن تجاهلها. لكنه في الوقت نفسه يطرح سؤالًا محرجًا على الأحزاب والقوى السياسية الكردية في سوريا:

لماذا احتاج الأمر إلى أن تطرق وزارة التربية هذا الباب، بينما ظل الحضور السياسي والثقافي الكردي في هذه المناطق محدودًا طوال سنوات؟

كرد حماة ليسوا جالية كردية عابرة، ولا مجموعة فقدت لغتها وبالتالي فقدت هويتها. هناك عائلات وقرى كردية عاشت هناك أجيالًا، وتعرضت لغتها للتراجع تحت تأثير ظروف تاريخية وسياسية واجتماعية معروفة. ومع ذلك بقي الانتماء حاضرًا لدى كثير منهم، حتى عندما تراجعت اللغة.

وهنا تحديدًا تبدأ مسؤولية الأحزاب الكردية.

وللإنصاف، لا يمكن القول إن هذه المناطق لم تشهد أي اهتمام كردي. كانت هناك زيارات فردية لبعض الشخصيات، وقامت بعض الأحزاب بزيارات محدودة بين فترة وأخرى. لكن المشكلة أن هذه الزيارات بقيت خجولة ومتقطعة، ولم تتحول إلى حضور سياسي وثقافي منظم ومستمر.

وهذا هو جوهر المشكلة.

الأحزاب لا ينبغي أن تظهر فقط عندما يكون هناك مؤتمر أو انتخابات أو حدث سياسي كبير. العمل السياسي الحقيقي يبدأ عندما تذهب إلى الناس الذين لا يملكون صوتًا قويًا، وتستمع إليهم، وتعرف ماذا يريدون، وتساعدهم على تنظيم أنفسهم والحفاظ على لغتهم وثقافتهم.

فماذا نعرف اليوم عن احتياجات كرد حماة؟

كم حزبًا كرديًا لديه ملف خاص بهذه المنطقة؟

كم وفدًا زار القرى الكردية هناك خلال السنوات الأخيرة؟

كم مبادرة أطلقت لتعليم الكردية؟

وكم من المؤسسات الكردية حاولت أن تعيد وصل أبناء هذه المناطق بلغتهم وتاريخهم؟

هذه الأسئلة لا تُطرح من أجل تسجيل نقاط على هذا الحزب أو ذاك، وإنما لأن الشعب الكردي أكبر من الأحزاب، والقضية الكردية أوسع من حدود نفوذها التنظيمي.

والأمر لا يتوقف عند حماة.

هناك كرد في الساحل، وفي مناطق أخرى من سوريا، عاشوا ظروفًا مختلفة، وبعضهم ابتعد عن لغته مع مرور الزمن. هؤلاء أيضًا بحاجة إلى الاهتمام والتواصل. وربما تكون أخطر خسارة هي أن يشعر الإنسان بأنه وحيد، وأن لا أحد يتذكره إلا عندما يصبح وجوده موضوع خبر.

لذلك، المطلوب اليوم ليس بيانًا سياسيًا جديدًا، ولا زيارة بروتوكولية أخرى.

المطلوب مشروع كردي حقيقي للوصول إلى هذه المناطق.

وفود سياسية وثقافية منتظمة، تواصل مباشر مع الأهالي، توثيق للقرى والعائلات والتاريخ المحلي، دورات لتعليم اللغة، إعداد معلمين من أبناء المنطقة، ودعم المبادرات الثقافية والشبابية.

وإذا كانت هناك اليوم فرصة لإعادة تعليم اللغة الكردية في حماة، فيجب أن تكون هذه اللحظة بداية لعمل أوسع، لا مجرد خبر يمر على صفحات التواصل الاجتماعي ثم يُنسى.

لقد آن الأوان أن تسأل الأحزاب الكردية نفسها سؤالًا مختلفًا:

ليس: كم عدد الناس الذين يتبعوننا؟
بل: كم عدد أبناء شعبنا الذين وصلنا إليهم؟

فالكردي في القامشلي ليس أكثر كردية من الكردي في حماة، والكردي في عفرين ليس أقرب إلى القضية من الكردي الذي يعيش في قرية كردية على أطراف الساحل.

الجغرافيا قد تفرّق الناس، لكنها لا تلغي الانتماء.

ومن هنا، فإن قضية كرد حماة والساحل ليست هامشًا صغيرًا في السياسة الكردية السورية، بل اختبار حقيقي لمعنى التمثيل السياسي نفسه.

فمن يريد أن يمثل شعبًا، عليه أن يعرف شعبه كله، وأن يصل إلى أبنائه جميعًا، وخاصة أولئك الذين ظلوا بعيدين عن الضوء.

قد تكون اللغة الكردية اليوم في طريقها إلى مدارس حماة.
ويبقى السؤال: متى تصل السياسة الكردية إلى أهلها هناك؟