د.خيرالدين حسن


ساحات الصراخ بدل ساحات الفكر: لماذا يفشل الإعلام العربي في فهم القضية الكردية؟

عندما يتحول النقاش إلى ملاكمة شعبية على الشاشة، يخسر الجميع: العرب يبقون جاهلين، والكرد يفقدون صوتهم.
يتكرر المشهد يوميًا على القنوات العربية، وبالأخص في هذه الآونة على قناة الإخبارية السورية، حيث يُستضاف أشخاص مليئون بالحقد تجاه القضية الكردية، يبدؤون بالشتيمة قبل حتى أن ينتهي الضيف الكردي من تقديم نفسه. تخيّل معي: ضيف كردي يجلس أمام الكاميرا، في يده ملف مليء بالأوراق والمراجع، يحاول يشرح موقفًا سياسيًا أو تاريخيًا بكل هدوء. فجأة ينفجر الطرف الثاني: “انفصاليين! خونة!”، يبدأ الصراخ، المقاطعة، الشتيمة، والمذيع يبتسم ويترك الوضع يشتعل لأن “الريتنج يرتفع”. هذه ليست مناظرة، هذه مسرحية هزلية، قضية شعب كامل تُختزل في ضجيج فارغ.
المشكلة ليست في الكردي اللي جالس هناك. هو غالبًا أكاديمي أو محلل سياسي محترف، يعرف تفاصيل المنطقة من أنقرة إلى طهران، يتكلم عربي أفضل من كثير من العرب، ويحمل حججًا مدعومة بوثائق وأرقام. لكن الطرف الثاني – عادةً واحد من التيارات القومية المتشددة أو إعلامي يبحث عن الإثارة – يبدأ بالشتيمة من أول دقيقة، يقاطع كل كلمة، يرفع صوته، ويحول النقاش إلى معركة شخصية. المذيع؟ لا يحرك ساكنًا، بل يزيد الطين بلة بسؤال استفزازي.
هذا ليس حوارًا، هذا إهانة ممنهجة للعقل. الضيف الكردي محاصر: لو سكت يقولون ضعيف، لو رد يقطعون اللقطة ويقولون “انفعالي”. والمشاهد العربي يخرج بصورة مشوهة عن الكرد، والقضية تُدفن تحت الضجيج.
ولم أجد يومًا، ولم أسمع يومًا، شخصًا عربيًا أو مثقفًا عربيًا يفهم الحقوق القومية للكرد في سوريا والعراق وتركيا وإيران، ويُقرّ بحقهم فيها كما يجب. دائمًا يُختزل الأمر إلى “انفصال” أو “خيانة”، بدون أي محاولة لفهم السياق التاريخي أو الديموغرافي أو الدستوري. حتى المثقفين اللي يدّعون التقدمية، يتوقفون عند الحدود القومية العربية، وكأن الحقوق تنتهي حيث يبدأ الآخر.
أنا هنا في السويد، لا أشاهد القنوات العربية مباشرة، لكنني أتابع المقاطع القصيرة على وسائل التواصل الاجتماعي – وهي ليست مناقشات، بل ملاكمة. ثوانٍ من الصراخ، شتيمة، مقاطعة، ثم ينتهي الفيديو. لا فكرة، لا حجة، لا فائدة. هذه المقاطع هي اللي تشكّل رأي الجمهور العربي، مش البرنامج كاملًا، لأن أحد يملك صبر يشاهد ساعة من الضجيج.
الخلل الأساسي في المهنية الصحفية. المذيع المفروض يكون حكمًا، لا مشجعًا على الشجار. أين القواعد؟ أين ضبط الوقت؟ أين منع المقاطعة؟ في الغرب، لو قاطعت ضيفًا يوقفونك فورًا، يعطون كل واحد وقته، وإذا شتمت تُطرد. هنا؟ “دع الصراخ يستمر، الجمهور يحب الدراما”.
عندنا في الكرد كفاءات كبيرة: أساتذة في جامعات أوروبية وأمريكية، محللون يكتبون في مجلات عالمية، ناس يتكلمون عربي بطلاقة ويفهمون السياسة أكثر من كثير من المذيعين. لكن القنوات تختار “الكردي” اللي يناسب السيناريو: إما متشدد عشان يصورونه إرهابي، أو ضعيف عشان يهزموه بسهولة. متى دعوا مسعود بارزاني أو صالح مسلم لنقاش هادئ؟ نادرًا جدًا.
السؤال الحقيقي: هل نحتاج مترجمين للغة الكردية؟ لا. نحتاج مترجمين للغة الاحترام والعقل في فضاء إعلامي يقدس الصراخ.
الحل؟ ما نستمر في خوض معارك خاسرة على شاشاتهم. لازم نبني منصاتنا: قنوات كردية تتكلم عربي، بودكاستات، مقالات، فيديوهات، نوصل الرواية مباشرة للجمهور العربي بدون وسيط فاشل. نضغط على القنوات الكبيرة بمدونات سلوك صارمة، ونقاطع أي برنامج ما يحترم القواعد. ونختار مشاركينا بعناية: ناس يعرفون يديرون الحوار، ويرفضون المشاركة إلا بضمانات مسبقة.
نحتاج عرب يتعلمون يسمعون قبل ما يتكلمون، ويحترمون قبل ما يرفعون صوتهم.
القضية الكردية مفتاح استقرار المنطقة، مش مادة ترفيه. استمرار تشويهها يهين الكرد، ويهين العقل العربي نفسه. إذا بقي الإعلام يحولها إلى شتيمة، الجميع يخسر: العرب يفقدون فرصة فهم جيرانهم، والكرد يفقدون صبرهم. حان الوقت لنقاش جاد، أو صمت كريم. اختاروا.