محمدخير عيسى

من قرية نقارة الصغيرة التابعة لقامشلو، انطلقت قصة فواز عبدي لتُشرق في سماء الأدب والفنون. نشأ في بيئة اعتادت على سرد القصص الواقعية والخيالية قبل أن يُشرق نور الكهرباء على بيوتهم، فكانت ليالي الشتاء الحافلة بالحكايات، أولى معالم الإلهام التي زرعت في قلبه حب الكلمة والسرد.

البدايات والجذور
ترعرع فواز بين أحضان الطبيعة البكر والعادات الأصيلة لقريته، حيث تلقى تعليمه الابتدائي في نقارة قبل أن ينتقل إلى قامشلو لاستكمال دراسته الإعدادية والثانوية. لم تكن رحلته التعليمية مجرد انتقال جغرافي، بل كانت رحلة اكتشاف للغات وثقافات؛ إذ أكمل دراسته في اللغة العربية بجامعة دمشق، مما أتاح له نافذة واسعة على تراث الأدب العربي والعالمي.

الفنون والمسرح والكلمة الشفوية
لم يقتصر شغف فواز على الدراسة الأكاديمية، بل اندمج في دوامة الحياة الفنية، حيث عمل معلماً في ريف الجزيرة إلى جانب دراسته الجامعية. وفي مرحلة مميزة من مسيرته، انضم إلى فرقة “خلات Xelat” للفن والفولكلور الكردي. هنا، لم يكن مجرد ممثل أول، بل تحول إلى صانع للمسرح؛ إذ شارك في إعداد وترجمة مسرحيات من المسرح العربي والعالمي إلى اللغة الكردية، معيداً بذلك صلة الوصل بين ثقافات متعددة. وكان انطلاق الفرقة بمسرحية “الجرح الأسود (Birîna reş)” للكاتب الكردي موسى عنتر، بمثابة الشرارة التي أطلقت العنان لإبداعه المسرحي والشعري.

الإبداع الأدبي والكتابة بالكردية
إدراكاً منه لقوة الكلمة وأهميتها في تجسيد واقعنا الكردي، شرع فواز في كتابة الشعر الخطابي تلبيةً لحاجات المناسبات والاحتفالات. ومع ازدياد معارفه ومطالعاته للأدب العربي والعالمي، لاحظ قدرته على نسج قصص تعكس هموم وآمال شعبه. لم يكد يتقن قواعد اللغة الكردية على يد أستاذه زاغروس حاجو، حتى قرر أن ينقل مشاعره وأفكاره إلى اللغة التي ترعرع عليها. وهكذا وُلِدت مجموعته القصصية الأولى بعنوان “خوارو Xewaro” عام 1992، رغم التحديات والظروف القاهرة التي كانت آنذاك.

الترجمة والجسور الثقافية
لم يكتفِ فواز بالإبداع في كتاباته الخاصة، بل سطر أيضاً بصماته في عالم الترجمة. فقد ترجّم العديد من الأعمال الأدبية من الكردية إلى العربية، ومن بينها رواية “لاش قاسو: نقمة الحرية”، ومجموعات القصص للكاتب فرات جوري التي حملت بين صفحاتها عناوين “رومانسية ذابلة” و”الحمامة البيضاء”، والتي التُحِدت مؤخراً في عمل بعنوان “الحشرة المجهولة”. كما شملت ترجماته روايات مثل “النار “دكتور محمد عبدو نجاري و الخوف الأدرد” لحليم يوسف، و”العنف ضد المرأة” لميديا محمود، إلى جانب أعمال أدبية أخرى تثري المكتبة العربية بالكلمة الكردية وتوثق تجربة شعبية عميقة.

الحنين والاغتراب
ورغم النجاح الفني والأدبي، يحمل قلب فواز عبدي أثراً من الحنين والفراق؛ ذلك العذاب الذي يشترك فيه كثير من المبدعين الذين يجدون أنفسهم بعيدين عن جذورهم، غير قادرين على استرجاع دفء الوطن وذكريات الطفولة في قُرى النور والحكايات. فقد عانى، كما هو حال بعض من “المهجرين ”، من وجع الفراق والاغتراب، إلا أن هذا الألم كان بمثابة وقود لإبداعه، فحول الألم إلى كلمات تتراقص على حافة الواقع والخيال.

ختامًا
إن مسيرة فواز عبدي ليست مجرد سرد لحياة فنان؛ بل هي لوحة فنية متكاملة تعكس لقاء الحضارات وتداخل الأزمان. من نقارة الصغيرة إلى مسارح المدن الكبيرة، ومن قصص الليل التي كانت تُحكى تحت ضوء القمر قبل الكهرباء، إلى كلمات تُكتب الآن بمداد الحب والحنين؛ يظل فواز عبدي رمزاً للأصالة والابتكار، ومثالاً حياً على قدرة الفن على تجاوز الحدود وتوحيد القلوب.

هذا المقال هو تقدير لمسيرة رجل عرف كيف يحول تجاربه الشخصية إلى إرث أدبي غني، يُلهِم الأجيال ويسرد قصص شعبٍ لم تنطفئ شعلته رغم تقلبات الزمان والمكان.